مجمع البحوث الاسلامية

239

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

هذا ولعلّ تكرير التّفضيل بطريق العطف المنبئ عن المغايرة وتقييده تارة ب ( درجة ) وأخرى ب ( درجات ) مع اتّحاد المفضّل والمفضّل عليه حسبما يستدعيه الظّاهر ، إمّا لتنزيل الاختلاف العنوانيّ بين التّفضيلين وبين الدّرجة والدّرجات منزلة الاختلاف الذّاتيّ ، تمهيدا لسلوك طريق الإبهام ، ثمّ التّفسير روما لمزيد التّحقيق ، والتّقرير المؤذن بأنّ فضل المجاهدين بمحلّ لا تستطيع طير الأفكار الخضر أن تصل إليه . ولمّا كان هذا ممّا يكاد أن يتوهّم منه حرمان القاعدين ، اعتنى سبحانه بدفع ذلك بقوله عزّ وجلّ قائلا : وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى . ثمّ أراد جلّ شأنه تفسير ما أفاده التّنكير بطريق الإبهام بحيث يقطع احتمال كونه للوحدة ، فقال ما قال ، وسدّ باب الاحتمال . ولا يخفى ما في الإبهام والتّفسير من اللّطف . وأمّا ما قيل من إفراد « الدّرجة » أوّلا ، لأنّ المراد هناك تفضيل كلّ مجاهد ، والجمع ثانيا لأنّ المراد فيه تفضيل الجمع ، ففي « الدّرجات » مقابلة الجمع بالجمع ، فلكلّ مجاهد درجة ، ومآل العبارتين واحد ، والاختلاف تفنّن ، فمن الكلام الملفوظ لا من اللّوح المحفوظ . وإمّا للاختلاف بالذّات بين التّفضيلين وبين الدّرجة والدّرجات - وفي هذا رغب « الرّاغب » ، واستطيبه « الطّيّبيّ » - على أنّ المراد بالتّفضيل الأوّل ما خوّلهم اللّه تعالى عاجلا في الدّنيا من الغنيمة والظّفر ، والذّكر الجميل الحقيقيّ بكونه درجة واحدة ، وبالتّفضيل الثّاني ما ادّخره سبحانه لهم من الدّرجات العالية والمنازل الرّفيعة المتعالية عن الحصر ، كما ينبئ عنه تقديم الأوّل وتأخير الثّاني وتوسيط الوعد بالجنّة بينهما ، كأنّه قيل : فضّلهم عليهم في الدّنيا درجة واحدة ، وفي الأخرى درجات لا تحصى ، وقد وسّط بينهما في الذّكر ما هو متوسّط بينهما في الوجود ، أعني الوعد بالجنّة ، توضيحا لحالهما ومسارعة إلى تسلية المفضول . كذا قرّره الفاضل مولانا شيخ الإسلام . وقيل : المراد من التّفضيل الأوّل : رضوان اللّه تعالى ونعيمه الرّوحانيّ ، ومن التّفضيل الثّاني : نعيم الجنّة المحسوس . وفيه أنّ عطف المغفرة والرّحمة يبعّد هذا التّخصيص . وقيل : المراد من المجاهدين الأوّلين : من جاهد الكفّار ، ومن المجاهدين الآخرين : من جاهد نفسه ، وزيد لهم في الأجر لمزيد فضلهم ، كما يدلّ عليه قوله عليه الصّلاة والسّلام : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » . وفيه أنّ السّياق وسبب النّزول يأبيان ذلك ، والحديث الّذي ذكره لا أصل له ، كما قال المحدّثون . ( 5 : 121 ) رشيد رضا : أي لا يكون القاعدون عن الجهاد بأموالهم بخلا بها وحرصا عليها ، وبأنفسهم إيثارا للرّاحة والنّعيم على التّعب وركوب الصّعاب في القتال ، مساوين للمجاهدين الّذين يبذلون أموالهم في الاستعداد للجهاد بالسّلاح والخيل والمؤونة ، ويبذلون أنفسهم بتعريضها للقتل في سبيل الحقّ ، لأجل منع القتل في سبيل الطّاغوت ، لأنّ المجاهدين هم الّذين يحمون أمّتهم وبلادهم ، والقاعدين الّذين لا يأخذون حذرهم ، ولا يعدّون للدّفاع عدّتهم ، يكونون عرضة لفتك غيرهم بهم وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ